القائمة الرئيسية

الصفحات

مرض الذهان: فهم الأعراض وطرق العلاج

مرض الذهان: الأعراض والأسباب وطرق العلاج ومتى يحتاج الشخص للمساعدة؟

عندما نسمع عن الذهان، قد تتبادر إلى الذهن أفكار كثيرة، وبعضها غير صحيح. ويرتبط هذا المصطلح أحيانًا في الأفلام والقصص بصورة مخيفة أو مبالغ فيها، بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.

الذهان هو حالة تؤثر في طريقة إدراك الشخص للواقع وتفسيره، وقد تظهر أعراضه في أكثر من اضطراب أو حالة صحية. وقد تكون التجربة مربكة ومخيفة للشخص نفسه ولأسرته، لكنها ليست بالضرورة حالة دائمة، وهناك علاجات تساعد على تخفيف الأعراض وتحسين القدرة على ممارسة الحياة اليومية.

مرض الذهان

في هذا المقال، سنتعرف ببساطة على معنى الذهان، وأبرز أعراضه وأسبابه، وكيف يتم تشخيصه وعلاجه، ومتى ينبغي طلب المساعدة الطبية.

ما هو مرض الذهان ببساطة؟

الذهان هو حالة يفقد فيها الشخص، بشكل مؤقت أو مستمر، جزءًا من قدرته على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي. وقد يظهر ذلك في صورة سماع أصوات لا يسمعها الآخرون، أو رؤية أشياء غير موجودة، أو اعتقاد أفكار لا يشاركه فيها الآخرون رغم عدم وجود أدلة تؤيدها.

والذهان ليس اسمًا لمرض واحد بعينه، بل يمكن أن يظهر ضمن حالات مختلفة، مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب وبعض حالات الاكتئاب الشديد، كما يمكن أن يرتبط بتعاطي بعض المواد أو ببعض الحالات الطبية أو الأدوية. لذلك لا يمكن معرفة السبب من الأعراض وحدها، بل يحتاج الأمر إلى تقييم طبي

كيف تكتشف الحالة؟ أبرز أعراض مرض الذهان

الأعراض تختلف من شخص لآخر في شدتها وطبيعتها. ولكن التعرف عليها مبكراً يسهل رحلة العلاج بشكل كبير. تنقسم هذه الأعراض عادة إلى عدة جوانب رئيسية تؤثر على الإدراك والسلوك. إليك أهم العلامات التي يجب الانتباه لها:

  1. الهلوسات بأنواعها 📌  تعني أن الشخص يرى أو يسمع أو يشعر بأشياء تبدو حقيقية بالنسبة إليه، لكنها لا تكون موجودة في البيئة المحيطة.
  2. الضلالات (الأوهام) 📌 وهي معتقدات قوية وثابتة لا تتوافق مع الواقع، ويصعب إقناع الشخص بخطئها حتى عند وجود أدلة مخالفة.ومن الأمثلة أن يعتقد الشخص أن أحدًا يراقبه أو يحاول إيذاءه، أو أن لديه قدرات استثنائية لا يمتلكها في الواقع.
  3. اضطراب التفكير والكلام 📌 قد تصبح أفكار الشخص مشوشة أو يصعب عليه ترتيبها، وقد يتحدث بسرعة أو ينتقل من موضوع إلى آخر بطريقة تجعل فهم كلامه صعبًا. وفي بعض الحالات قد يفقد تسلسل أفكاره أثناء الحديث.
  4. تغيرات حادة في السلوك 📌 قد تظهر تغيرات واضحة في التصرفات أو الاهتمام بالنفس، مثل الانسحاب من الآخرين، أو إهمال النظافة الشخصية، أو اضطراب النوم، أو التصرف بطريقة غير معتادة.
  5. فقدان الدافع والشغف 📌 قد يفقد الشخص اهتمامه بالأنشطة التي كان يستمتع بها، ويصبح أقل تفاعلًا مع الآخرين أو أقل قدرة على البدء بالمهام اليومية. وتُعرف بعض هذه التغيرات باسم الأعراض السلبية، وهي قد تظهر في بعض الاضطرابات التي يصاحبها الذهان، مثل الفصام.
  6. ومن المهم التعامل مع هذه الأعراض بجدية، لأن الشخص الذي يمر بها قد يشعر فعلًا بالخوف والارتباك، حتى لو كانت الأشياء التي يراها أو يسمعها غير موجودة بالنسبة للآخرين.

الأسباب والعوامل: لماذا يحدث مرض الذهان؟

لا يوجد سبب واحد ينطبق على جميع الحالات. فالذهان قد يحدث لأسباب مختلفة، ولهذا يحاول الطبيب معرفة الظروف الصحية والنفسية والأدوية والمواد التي يستخدمها الشخص قبل تحديد السبب المحتمل.

ومن العوامل التي قد ترتبط بالذهان:

  • العوامل الوراثية والجينية وجود تاريخ عائلي لبعض الاضطرابات الذهانية قد يزيد قابلية الإصابة، لكنه لا يعني أن الشخص سيصاب بها حتمًا.
  • الصدمات النفسية والضغوط قد ترتبط بعض التجارب الصعبة أو الضغوط الشديدة بظهور الأعراض لدى بعض الأشخاص.
  • تعاطي المواد المخدرةيمكن لبعض المواد أن تؤدي إلى ظهور أعراض ذهانية أو تزيدها سوءًا.
  • الأمراض الجسدية والعضوية مثل إصابات الرأس وبعض أمراض الدماغ أو الحالات الصحية الأخرى، ولذلك قد يحتاج الطبيب إلى إجراء تقييم طبي لاستبعاد الأسباب العضوية.

هل يمكن أن تُصاب المرأة بالذهان بعد الولادة؟

نعم، يمكن أن يحدث الذهان بعد الولادة، لكنه حالة نادرة. ويُعرف باسم ذهان ما بعد الولادة، ويظهر غالبًا خلال الأيام أو الأسابيع الأولى بعد ولادة الطفل، ويحتاج إلى تقييم وعلاج طبي عاجل.

يختلف ذهان ما بعد الولادة عن اكتئاب ما بعد الولادة وعن التقلبات المزاجية البسيطة التي قد تمر بها بعض الأمهات بعد الإنجاب. ففي الذهان قد تظهر أعراض شديدة تؤثر في قدرة الأم على إدراك الواقع والتفكير بوضوح.

  • تقلبات مزاجية عنيفة تلاحظ الأسرة انتقال الأم السريع من حالة النشاط المفرط والطاقة العالية جداً إلى الحزن والبكاء الشديد في غضون لحظات.
  • هلوسات متعلقة بالطفل قد تسمع الأم أصواتاً غير حقيقية تتحدث إليها، أو ترى أشياء غير موجودة، وغالباً ما تتمحور هذه الهلوسات والمخاوف حول طفلها الرضيع.
  • أوهام ومعتقدات غريبة كأن تعتقد الأم يقينًا أن هناك من يحاول إيذاء طفلها، أو أن طفلها يعاني من خطب مروع رغم تأكيدات الأطباء بعكس ذلك.
  • ارتباك شديد وفقدان النوم تشعر الأم بطاقة غريبة تمنعها من الاسترخاء أو النوم تماماً، حتى في الأوقات التي يكون فيها طفلها نائماً وهادئاً.

لماذا يحتاج ذهان ما بعد الولادة إلى تدخل عاجل؟

لأن الأم قد لا تكون قادرة في هذه الحالة على إدراك أن ما تمر به يحتاج إلى علاج، وقد تتصرف بناءً على أفكار أو معتقدات غير واقعية. لذلك لا ينبغي الانتظار حتى تختفي الأعراض من تلقاء نفسها.

إذا ظهرت على الأم علامات الذهان، فمن المهم أن تحصل على تقييم طبي عاجل، وأن تبقى في بيئة آمنة مع شخص موثوق إلى أن تحصل على الرعاية المناسبة. وإذا كان هناك خطر على الأم أو طفلها، فيجب طلب المساعدة الطبية الطارئة فورًا.

ورغم خطورة الحالة، فإن ذهان ما بعد الولادة قابل للعلاج، ويمكن أن تتحسن الأعراض بشكل كبير مع الحصول على الرعاية المناسبة. لذلك فإن طلب المساعدة مبكرًا خطوة مهمة لحماية الأم ومساعدتها على استعادة صحتها.

ملاحظة مهمة: ذهان ما بعد الولادة حالة طبية طارئة ولا ينبغي اعتباره مجرد إرهاق أو تقلب مزاج عابر. تحتاج الأم إلى تقييم وعلاج طبي عاجل، خصوصًا إذا ظهرت عليها هلوسات أو أوهام أو ارتباك شديد أو كان هناك خطر عليها أو على طفلها..

جدول يوضح: خرافات مقابل حقائق حول مرض الذهان

لتصحيح المفاهيم وبناء وعي مجتمعي سليم، دعونا نستعرض أبرز الخرافات التي تدور حول هذا الاضطراب، ونرد عليها بالحقائق العلمية المؤكدة.

الخرافة الشائعة ❌ الحقيقة العلمية ✅
الذهان يعني أن الشخص لديه شخصيات متعددة. هذا غير صحيح. الذهان يرتبط باضطراب في إدراك الواقع، مثل الهلوسة والأوهام، وليس بتعدد الشخصيات..
كل شخص مصاب بالذهان يكون عنيفًا أو خطرًا على الآخرين. الذهان لا يعني تلقائيًا أن الشخص عنيف. وقد يكون الشخص نفسه خائفًا أو مرتبكًا ويحتاج إلى المساعدة والرعاية.
الذهان لا يمكن علاجه. توجد علاجات تساعد على تخفيف الأعراض، وقد يتمكن بعض الأشخاص من التعافي بدرجة كبيرة والعودة إلى الدراسة أو العمل والحياة الاجتماعية.
الذهان دليل على ضعف الشخصية. الذهان حالة صحية معقدة، ولا ينبغي تفسيرها على أنها ضعف في الشخصية أو نقص في الإرادة

ملاحظة: من المهم جداً أن نتوقف عن استخدام المصطلحات الطبية كشتائم أو صفات سلبية في حياتنا اليومية. تغيير النظرة المجتمعية يبدأ من كلماتنا، وهذا التغيير يشجع المرضى على طلب العلاج دون خجل.

كيف يتم التشخيص ووضع خطة العلاج؟

لا يوجد تحليل واحد يمكنه تأكيد الذهان. يعتمد التشخيص على تقييم شامل يجريه مختص في الصحة النفسية، وقد يتضمن الحديث مع الشخص ومع أفراد من أسرته عند الحاجة.

قد يسأل الطبيب عن طبيعة الأعراض، ومتى بدأت، والأدوية المستخدمة، وتعاطي الكحول أو المخدرات، والتغيرات في المزاج والنوم، والتاريخ العائلي، ومدى تأثير الأعراض في الدراسة أو العمل والحياة اليومية. وقد تُجرى فحوصات أخرى عندما تكون هناك حاجة لاستبعاد سبب طبي.

يختلف العلاج حسب السبب والحالة والأعراض التي يعاني منها الشخص، وغالبًا يجمع بين أكثر من جانب.

  • العلاج الدوائي (مضادات الذهان) هي حجر الأساس في العلاج. تعمل هذه الأدوية على إعادة التوازن للمواد الكيميائية في الدماغ (مثل الدوبامين). تساعد بشكل كبير في تقليل الهلوسات والأوهام وتجعل التفكير أكثر وضوحاً.
  • العلاج النفسي الحديث مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، والذي يساعد المريض على فهم تجاربه، والتمييز بين الحقيقة والهلوسة، وتطوير مهارات التأقلم مع الضغوط اليومية.
  • الدعم العائلي والمجتمعي لا يكتمل العلاج دون بيئة داعمة. توعية الأسرة بطبيعة المرض وكيفية التعامل مع المريض يقلل من نسب الانتكاسة بشكل ملحوظ.
  • برامج التأهيل الوظيفي والاجتماعي تهدف إلى مساعدة الشخص على استعادة ثقته بنفسه، والعودة إلى دراسته أو عمله، والانخراط مجدداً في نسيج المجتمع بشكل إيجابي وفعال.

متى يحتاج الشخص إلى طلب المساعدة الطبية؟

إذا ظهرت على الشخص علامات واضحة مثل سماع أصوات، أو رؤية أشياء غير موجودة، أو معتقدات شديدة الغرابة، أو اضطراب واضح في التفكير والسلوك، فمن الأفضل طلب تقييم طبي في أقرب وقت.

ومن العلامات التي تستحق الانتباه أيضًا:

  1. تغير مفاجئ وملحوظ في السلوك أو طريقة التفكير.
  2. الانسحاب من الأسرة والأصدقاء بصورة غير معتادة.
  3. تراجع واضح في الدراسة أو العمل.
  4. الحديث عن سماع أصوات أو رؤية أشياء لا يلاحظها الآخرون.
  5. إهمال النظافة الشخصية أو الاحتياجات اليومية بشكل واضح.
  6. ظهور أفكار أو تصرفات قد تعرض الشخص نفسه أو الآخرين للخطر.

التدخل المبكر مهم، لأن الحصول على العلاج المناسب في وقت مبكر يمكن أن يحسن فرص التعافي ويقلل تأثير الأعراض على حياة الشخص.وإذا كان هناك خطر فوري على الشخص نفسه أو على الآخرين، أو فقدان شديد للسيطرة على السلوك، فينبغي طلب المساعدة الطبية الطارئة فورًا.

كيف تدعم شخصاً يمر بنوبة ذهان؟ 

قد يكون التعامل مع شخص يعاني من الذهان صعبًا على الأسرة، خصوصًا عندما يكون مقتنعًا بأفكار لا تبدو حقيقية لمن حوله.

من المفيد في هذه الحالة:

  • التحدث معه بهدوء ومن دون صراخ أو تهديد.
  • الاستماع إلى ما يشعر به من دون السخرية منه.
  • عدم الدخول في جدال طويل لإثبات أن معتقداته خاطئة.
  • يمكنك أن تقول مثلًا: "أفهم أن هذا الأمر مخيف بالنسبة لك، حتى لو كنت أنا لا أراه بالطريقة نفسها."
  • تشجيعه بلطف على الحصول على تقييم طبي.
  • مساعدته في متابعة مواعيد العلاج والأدوية وفق تعليمات الطبيب.
  • طلب المساعدة من الأسرة أو المختصين إذا أصبح التعامل مع الحالة صعبًا.

وتوصي المصادر الطبية بأن يكون التعامل مع الشخص المصاب باحترام ودعم، مع عدم تجاهل أي سلوك خطير أو السماح به. كما يمكن أن تستفيد الأسرة نفسها من التثقيف والدعم أثناء رحلة العلاج.

هل يمكن التعافي من الذهان؟

نعم، يمكن أن يتحسن كثير من الأشخاص بعد نوبة الذهان، لكن طريقة التعافي تختلف من شخص إلى آخر بحسب السبب وشدة الأعراض ومدى الاستجابة للعلاج.

بعض الأشخاص قد يمرون بنوبة واحدة ولا تتكرر، بينما يحتاج آخرون إلى علاج ومتابعة لفترة أطول. لذلك لا يمكن التنبؤ بمسار الحالة من خلال الأعراض وحدها.

ومع التشخيص المبكر والعلاج المناسب والدعم المستمر، يمكن للشخص أن يستعيد قدرًا كبيرًا من حياته اليومية، وقد يعود إلى الدراسة أو العمل ويحافظ على علاقاته الاجتماعية.
معلومة مهمة: الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية. وكما نلتزم بعلاج الأمراض الجسدية دون خجل، من المهم أيضًا التعامل مع العلاج النفسي بالقدر نفسه من التقبل والاحترام.
الخاتمة: الذهان ليس كلمة تعني أن حياة الشخص انتهت، ولا يعني تلقائيًا الفصام أو العنف أو فقدان القدرة على ممارسة الحياة الطبيعية.هو حالة تحتاج إلى فهم وتقييم طبي، وقد تكون وراءها أسباب مختلفة، ولهذا فإن التشخيص الصحيح هو الخطوة الأولى نحو العلاج المناسب.إذا ظهرت علامات الذهان على شخص ما، فإن تجاهلها أو السخرية منها لن يساعده. الأفضل هو التعامل معه بهدوء واحترام وتشجيعه على طلب المساعدة المتخصصة في أقرب وقت.والأهم أن نتذكر أن الصحة النفسية جزء من الصحة بشكل عام، وأن طلب المساعدة عند الحاجة ليس ضعفًا، بل خطوة طبيعية نحو الحصول على الرعاية المناسبة.

المراجع

  • المعهد الوطني للصحة النفسية NIMH – الذهان
  • هيئة الخدمات الصحية البريطانية NHS – الذهان وأعراضه وعلاجه
  • منظمة الصحة العالمية WHO – الفصام والذهان

تعليقات